محمد بيومي مهران
260
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وقته ، وكانت المرة الواحدة تكفي في حالة الاختيار ، أتؤمن الآن في وقت الاضطرار ، حين أدركك الغرق ، وأيست من نفسك ، وروى الخازن في تفسير عن ابن عباس أنه قال : لم يقبل اللّه إيمانه عند نزول العذاب وقد كان في مهل ، وقال العلماء : إيمانه ، غير مقبول لأن الإيمان والتوبة عند معاينة الملائكة والعذاب غير مقبولين ، وقيل إنه قال ليدفع ما نزل به من البلية الحاضرة ، ولم يكن قصد به الإقرار بوحدانية اللّه ، والاعتراف له بالربوبية ، وقيل إن فرعون كان من الدهريين المنكرين لوجود الخالق ، فلهذا قال : « آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل » ، فلم ينفعه ذلك لحصول الشك في إيمانه ، ولما رجع فرعون إلى الإيمان والتوبة حين أغلق بابهما ، بحضور الموت ومعاينة الملائكة ، قيل له : « الآن وقد عصيت من قبل » ، يعني الآن تتوب ، وقد أضعت التوبة في وقتها ، وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية ، وقيل إن المخاطب بذلك لفرعون هو جبريل وقيل الملائكة ، وقيل هو اللّه تعالى ، عرف فرعون قبيح صنعه وما كان عليه من الفساد في الأرض ، بدليل قوله تعالى : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ، والقول الأول أشهر « 1 » ، ويعضده ما روى عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لما قال فرعون : « آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، قال قال لي جبريل : لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة » « 2 » ، وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لي جبريل : يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة اللّه ، فيغفر له ، يعني فرعون ، وفي بعض الروايات إن جبريل قال : ما بغضت أحدا بغضي لفرعون حين قال : أنا ربكم الأعلى ، ولقد
--> ( 1 ) تفسير الخازن 3 / 206 . ( 2 ) مختصر تفسير ابن كثير 2 / 206 ، وأنظر : تفسير الدر المنثور 3 / 315 .